من أبي الخصيب إلى برطلة.. الألم واحد متشابه

طالب عبد العزيز 2013/11/30 09:01:00 م

من أبي الخصيب إلى برطلة.. الألم واحد متشابه

 وأنا أتجول في برطلة القرية المسيحية الفقيرة الواقعة في سهل نينوى تذكرت صاحب (جادر) الموكب الحسيني، وهو صبيٌّ لم يبلغ الحُلم بعد، الذي نصبه عند باب احد المساجد السنيّة في قرية بابي الخصيب، وكنت وقفت طويلا عند ذلك، حين طالبه إمام وخطيب المسجد بخفض صوت الأنشودة الحسينية قليلا ليقيم الأذان للصلاة الجامعة تركه ومضى، قلت إن من يصنع الأزمة جاهل لا يعنيه من دم وروح الناس شيء، وأن الحكومة بجهلها او بدونه ستحمّل شعبنا بمكوناته الرائعة وزر تجاهلها وتعمدها معا.
 في مؤتمر(أصدقاء برطلة)الذي أقيم في أربيل قبل يومين تحدث باحثون مسيحيون ومسلمون عراقيون من الخارج ومن الداخل عن أزمة جديدة تجتاح سكان سهل نينوى وناحية برطلة تحديداً بعد أن نزحت مئات الأسر من طائفة الشبك لتسكن في برطلة، التي اضطر البعض من أهلها بسبب العوز وقلة فرص العمل وانعدام الخدمات والوضع الأمني وغيرها من المشاكل لبيع مساكنهم وبساتينهم ومن ثم هجرتها الى المنافي. غير ان المئات من الأسر الشبكية بنت منازل جديدة في الأراضي الزراعية التي يملكها المسيحيون، يقول منظمو المؤتمر إن النزوحات مستمرة وهناك من يسهّل للشبك الأمر وهم يشيرون الى الحكومة الفدرالية بذلك.
 ولكي تصل ناحية برطلة (المسيحية) والواقعة في سهل نينوى والتابعة للموصل لا لك بد من حماية رجال البيشمركة الكورد، وحين تصلها بعد ساعة ونصف تقريبا لا يشغل انتباهك سوى رفرفة الرايات السود والحمر والصفر وصور الأئمة الشيعة تلك التي يرفعها الشبك على منازلهم في الأيام هذه، ولما يستقر المقام بك بين سكانها الذين لا تشبه حياتهم الفقيرة حياة اتعس عراقيي الوسط والجنوب، هناك تكتمل صورة المشهد العراقي الجديد في ظل الحكومة التي لم تنصف سوى نفسها داخل منطقتها الخضراء، ذلك لأنها ضاعفت وتضاعف الفقر والفرقة والتجاوزات وتراكم الأزمات في مناطق كثيرة من العراق دونما فعل جاد على إنهاء معاناة مواطنيها في الوسط والجنوب والشمال أيضاً.
 قد لا تشكل قضية بيع بستان او بيت بين مسيحي وشبكي أزمة من نوع ما في ظروف طبيعية، وفي ظل نظام محكم يطبّق القانون ويحترم حقوق المواطنة وينصف الجميع، لكن المشهد في برطلة مختلف تماما فالناس هنا اعتادوا نمطا حياتيا ألفوه منذ مئات السنين، حيث اطلعنا احدهم في جولة داخل المدينة على كنيسة عمرها 1300 سنة، كان يشير إلى مدينة كاملة تحت الأرض، تبين سقوف منازلها وقد انخفضت عن مستوى الشارع، وحين دخلنا بعض البيوت كنا ننزل العشر درجات في سلالم حجرية، هي مدينة تاريخية بحق لها من الخصوصية ما يفوق أي مدينة أخرى ذلك لان كنيسة(مار احودامة الكبرى) التي تعني(الملتصق بأمه) شيدت في القرن السادس الميلادي، ويقول دليلنا بان قرى وبلدات أخر مثل قرقوش والحمدانية والقوش وبخديدة لم تسلم من النزوحات التي بدا بها النظام السابق حين راح يوزع الأراضي السكنية على أعضاء حزبه من الحرس الجمهوري وجيش القدس وعادت مرة أخرى بعد العام 2005. اما من حكومة تحترم تاريخ طوائفها؟ وكيف لمن التصق بأرضه وعاداته ان يُضايق في مسكنه وطبائعه.
 بفعل عمليات البيع والشراء السوداء وإهمال الحكومة المحلية لمشاريع السكن خربت بلدة أبي الخصيب في البصرة واختفت غابة النخل وطمرت عشرات الأنهار وأزيحت مئات البيوت التراثية في البصرة القديمة والعشار وكيف تغيرت أحوال الناس هناك، الذين ألفوا العيش في غابة النخل الوادعة وقد اضطروا لتغيير الكثير من سلوكهم وطبائعهم بسبب من جيرانهم الجدد، كان الخصيبي قليل الحزن كثير الفرح، لكنه اليوم لا، لم يعد كذلك.
 كذلك الحال بالنسبة لعشرات المساجد والأضرحة والكنائس والمعابد والمقابر التاريخية في بغداد والحلة والنجف والموصل وكركوك وغيرها من مدن العراق.ما الذي يحدث يا ترى؟ ولماذا تغمض الحكومة عينيها عن طمس معالم العراق التاريخية وعدم سماعها لنداء المئات والآلاف من أبناء شعبنا؟ في برطلة الكل يؤكد على أن فتيل الأزمة قد يشتعل في اي لحظة ذلك لأن مشهد العاشوراء الذي يقيمه الشبكيون الشيعة الآن مشهداً جديداً بالنسبة لهم، حل بينهم فجأة ن لم يألفوه من قبل، المدينة وادعة يحتفل أهلها في مناسباتهم الدينية الكثيرة منذ مئات السنين باتوا يخشون اليوم من ممارسة طقوسهم في بلدتهم التاريخية بل من غير الممكن أن يحتفلوا بأعياد الميلاد المقدسة لديهم مثلاً إذا صادف ذلك في العاشر من المحرم، ويقول احد المطارنة بان تقديسنا واحترامنا لشعائر أخوتنا من الشبك يمنعنا من ممارسة شعائرنا في دورنا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top